محمد متولي الشعراوي
1715
تفسير الشعراوى
إنهم بإحسان المسلمين إليهم يزدادون خصومة ، وغيظا وحقدا على الإسلام وكان المسلمون الأوائل يتصرفون بذلك الأسلوب لقد كانوا جبالا إيمانية راسخة . فخصوم الإسلام يعصون اللّه بسوء معاملتهم للمسلمين ، لكن المسلمون يردون على سوء المعاملة بحسن المعاملة ، وساعة يرى خصوم الإسلام أن كيدهم لا يحقق هدفه فإنهم يقعون في بئر وحمأة الغيظ . وعندما يخلو الكافرون لأنفسهم فأول أعمالهم هو عض الأصابع من الغيظ ، وهو كما أوضحت نتيجة الانفعال القسري التابع للغضب والعجز عن تحقيق المأرب ؛ ذلك أن كل تأثير إدراكى في النفس البشرية إنما يطرق مجالا وجدانيا فيها . والمجال الوجداني لا بد أن يعبر عن نفسه بعملية نزوعية تظهر بالحركة ؛ فالإنسان عندما يسبب لواحد يعرفه لونا من الغضب فهو ينفعل بسرعة ويثور بالكلمات ، هذا دليل على طيبة الإنسان الغاضب . أمّا الذي لا يظهر انفعاله فيجب الحذر منه ؛ لأنه يخزن انفعالاته ، ويسيطر عليها ، فلا تعرف متى تظهر ولا على أية صورة تبدو ؛ ولذلك يقول الأثر : « اتقوا غيظ الحليم » فعندما تتجمع انفعالات جديدة فوق انفعالات قديمة متراكمة في قلب الحليم فلا أحد يعرف متى يفيض به الكيل . إذن فالإدراك ينشأ عنه وجدان ، فينفعل الإنسان بالنزوع الحركي . والتشريع الإسلامي لا يريد من الإنسان أن يكون حجرا أصم لا ينفعل ، لكنه يطلب من المسلم أن ينفعل انفعالا مهذبا ؛ ولذلك يضع الحق للمؤمن منهجا ، فيقول سبحانه : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 134 ) ( من الآية 134 سورة آل عمران ) إن القرآن يعترف بأن هناك من الأحداث ما يستدعى غيظ الإنسان ، والذي لا يغضب على الإطلاق إنما يسلك طريقا لا يتوافق مع طبيعة البشر السوية ، واللّه يريد من الإنسان أن يكون إنسانا ، له عواطفه وشعوره وانفعالاته ، ولكن اللّه المربى الحق يهذب انفعالات هذا الإنسان ، ولنا في النبي صلّى اللّه عليه وسلّم القدوة